الشهيد الأول
مقدّمة التحقيق 30
غاية المراد في شرح نكت الارشاد
مغيث الخلق في اختيار الأحق : أنّ السلطان محمودا المذكور كان على مذهب أبي حنيفة . وكان مولعا بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه ، وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي . ، فوقع في خلده ( خ ل : جلده ) حكَّة ، فجمع الفقهاء ، من الفريقين في مرو ، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتّفاق على أن يصلَّوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي . وعلى مذهب أبي حنيفة . ، لينظر فيه السلطان ، ويتفكَّر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلَّى القفّال المروزي . بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وقال : « هذه صلاة لا يجوّز الإمام الشافعي دونها . » ثمَّ صلَّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة . فلبس جلد كلب مدبوغا ولطخ ربعه بالنجاسة ، وتوضّأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة ، واجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوؤه منكَّسا منعكسا ، ثمَّ استقبل القبلة ، وأحرم بالصلاة من غير نيّة في الوضوء ، وكبّر بالفارسية [ وقال : ] « دو برگ سبز » ، ثمَّ نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع ، وتشهّد ، وضرط في آخره ، من غير نيّة السلام ، وقال : « أيّها السلطان ، هذه صلاة أبي حنيفة » . فقال السلطان : « لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، لأنّ مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين » . فأنكرت الحنيفة أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر القفّال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفّال ، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ، وتمسّك بمذهب الشافعي . . . انتهى كلام إمام الحرمين ( 1 ) . *
--> ( 1 ) « وفيات الأعيان » ج 5 ، ص 180 - 181 .